من هو علي بن إفرينيوس؟ وكيف انتقل من كونه ابنًا لحاكم حدودي إلى أحد كبار القادة العثمانيين؟

من هو علي بن إفرينيوس؟ وكيف انتقل من كونه ابنًا لحاكم حدودي إلى أحد كبار القادة العثمانيين؟وما سبب وفاته 

السيد علي ابن ايفرينوس محمد الفاتح تاريخيًّا وفاة ابن إفرينيوس ويكيبيديا


علي بن إفرينيوس

مع بزوغ فجر الدولة العثمانية وتوسّعها في الأناضول والبلقان، برز على تخومها فارسٌ وقائدٌ مغوار هو علي بن إفرينيوس. نسجت حياته – منذ مولده حتى وفاته – على منوال تاريخ الإمبراطورية الفتيّة، من طفولته في كنف عائلة حدودية نافذة، إلى معاركه الشرسة ودوره السياسي البارز، وصولاً إلى نهايته المثيرة، وكل ذلك في ظل تحولات كبرى شهدتها الدولة العثمانية المبكرة. سنروي هنا قصته بأسلوبٍ تاريخيّ مشوّق، نتتبّع فيه مسار حياته، ونمزج بين الوقائع الموثقة واللمحات الدرامية لنقرّب صورته إلى الأذهان، مستعينين بالمصادر العثمانية والبيزنطية والأوروبية التي أرّخت له ولمعاصريه.


من هو علي بن إفرينيوس؟ وكيف انتقل من كونه ابنًا لحاكم حدودي إلى أحد كبار القادة العثمانيين؟


• ما حقيقة إرساله لتنفيذ أمر السلطان محمد الفاتح بإعدام الأمير الصغير؟ وهل كان ولاؤه للسلطان مطلقًا؟


• كيف انتهت حياته؟ وهل كان حاضرًا في فتح القسطنطينية أم أن الدراما أضافت ذلك؟


• وأخيرًا، هل كانت شخصيته كما رأيناها في المسلسل تاريخية دقيقة، أم أن الدراما أضافت لمساتها الخاصة؟

……


وُلِد علي بن إفرينيوس في أسرة عريقة من أصول مختلطة. كان والده الغازي إفرينيوس بك أحد كبار أمراء إمارة قره‌صي في الأناضول، ولم يدخل الخدمة العثمانية إلا بعد أن فتح العثمانيون إمارة قره‌صي سنة 1345م . قبل ذلك، كان إفرينيوس حاكماً نبيلًا وربما ذا جذور بيزنطية؛ إذ تذكر بعض الروايات البيزنطية أن عائلته يونانية الأصل . بعد انهيار إمارته، انضم إفرينيوس إلى السلطان أورخان غازي وابنه مراد الأول، واعتنق الإسلام ، ليصبح أحد أبرز قادة الحدود العثمانيين، حتى لُقّب بـ“الغازي” تقديرًا لبسالته . في هذا الجو المشحون بروح الغزو والولاء الجديد، وُلِد علي – على الأرجح في مدينة بورصة التي كانت آنذاك عاصمة عثمانية فتية – ونشأ في كنف والده المجاهد.


تفتّح الصبي علي في كنف والده المخضرم، فتشرّب منه فنون الحرب وفروسية العصر. يمكننا تخيّل الفتى علي وهو يمتطي صهوة جواده في سهل بورصة، يستمع بشغف إلى حكايات والده عن معارك الحدود وغزواته في تراقيا ومقدونيا. وربما خاطبه إفرينيوس ذات ليلة قائلاً بحزم: “يا بُنيّ، لقد كنتُ بالأمس خصمًا لهؤلاء العثمانيين، أما اليوم فأنا سيفٌ في أيديهم. ولاؤنا الآن للسلطان، ودورك أن تحمل الراية من بعدي.” كانت تلك التربية على مزيج من التراث البيزنطي والعثماني تجعل من علي شابًا فريدًا؛ دماؤه تحمل إرثًا مسيحيًا بيزنطيًا بعيدًا، لكن روحه نشأت مسلمة عثمانية صلبة. هكذا اشتد عوده بين ثقافتين، مؤهَّلاً ليكون حلقة وصل بين عالمين وعدواً لدوداً لمن يفكر في تحدي الدولة الصاعدة.


ما إن اشتد ساعد علي بن إفرينيوس ودخل معترك الخدمة العسكرية حتى سطع نجمه في سماء الدولة العثمانية المبكرة. ورث عن والده مكانته المرموقة بين فرسان الحدود (الأقنجيّة)، تلك القوات العثمانية الخفيفة التي كانت تقود التوغلات السريعة عبر الحدود . بفضل خبرته التي ورثها والتدريبات التي خاضها، تولّى علي مناصب قيادية في سن مبكرة نسبيًا. فمع العقد الرابع من القرن الخامس عشر، نجده قد عُيّن حاكمًا إقليميًا (سنجق بك) على المناطق الجبلية المضطربة في ألبانيا . وهذا المنصب لم يكن تشريفًا إداريًا فقط، بل تكليفٌ عسكري في أخطر ثغور السلطنة آنذاك. كانت تلك الأراضي الألبانية بوابة الغرب العاصية، حيث قبائل محاربة وأمراء محليون لا يخضعون بسهولة.


برز علي بك إفرينيوس كقائد ميداني فعّال، يقود الفرسان الأقنجيّة في الحملات ويشارك بنفسه في القتال. تصفه الروايات العثمانية بأنه مقدام لا يهاب الصفوف الأولى، ويذكر أحد المؤرخين أن عليًا كان صاحب “هيبةٍ تسبق خطاه”، فما إن يلوح رايته في الأفق حتى “تتهاوى قلاع العدو قبل أن تطأ قدماه أسوارها” – على حد تعبير إحدى الحكايات الشعبية. ورغم أن في هذا الوصف شيئًا من المبالغة الشعرية، إلا أنه يعكس حقيقة دوره: فقد كان علي شخصية قيادية يُعتمد عليها في ترسيخ الحكم العثماني في المناطق الجديدة. تطلّع إليه السلاطين كيدٍ طويلة لهم على الحدود: فنجد السلطان مراد الثاني يكلفه بمهام عسكرية حرجة، وكذلك الشاب محمد الفاتح (محمد الثاني) استعان به في بدايات عهده كمبعوث موثوق وقائد مهمة خاصة .


سياسيًا، لم يكن علي بعيدًا عن دوائر التأثير. صحيحٌ أن شهرته جاءت أساسًا من ميادين المعارك، لكنه بحكم نسبه وموقعه أصبح أيضًا جزءًا من طبقة النخبة العسكرية – تلك الطبقة التي كثيرًا ما تداخل فيها الدوران العسكري والإداري. فآل إفرينيوس عمومًا كانوا يُعدّون من “أرستقراطية الحدود” في الدولة العثمانية المبكرة ، يتمتعون بنفوذ واحترام لدى العامة وخبرة ميدانية تحتاجها الدولة. ولعلّ السلطان مراد الثاني أبقى عليًا قريبًا منه لضمان ولاء قبائل ونبلاء البلقان الذين انضموا حديثًا للدولة؛ فشخصية علي تعدّ مثالًا حيًا على نجاح استيعاب العثمانيين لأبناء الأمراء السابقين وإعادة توظيفهم في خدمة السلطنة.


ورث علي من والده إرثًا ثقيلًا تمثّل في علاقة معقّدة مع الدولة العثمانية. فوالده إفرينيوس، كما أسلفنا، كان في بداية أمره خصمًا للعثمانيين بوصفه حاكمًا في إمارة مستقلة، ثم ما لبث أن تحول إلى واحد من أهم حلفائهم وقادتهم . هذه النقلة من العداء إلى الولاء جسّدتها حياة الوالد؛ أما الابن علي فقد ترعرع منذ البداية في كنف الدولة العثمانية وتحت رايتها، أي أنه لم يعرف حياة الخصومة مع آل عثمان أبدًا. لذا يمكن القول إن علي بن إفرينيوس بدأ حياته حليفًا عثمانيًا بالفطرة ولم يكن بحاجة إلى استمالة أو إقناع كالجيل السابق.


بيد أن ولاءه ذاك خضع للاختبار عدة مرات، خاصة عند مفاصل الانتقال على العرش. فعندما تُوفي السلطان محمد الأول واعتلى مراد الثاني العرش عام 1421م، واجه الأخير تمردات ومعارضة من بعض أمراء الحدود الذين ربما ارتابوا في السلطان الشاب. في تلك الفترة الحرجة، برزت أهمية ولاء أمثال علي بك. تشير المصادر إلى أن أسرة إفرينيوس وقفت في صف الشرعية العثمانية، وساهمت في إخماد الفتن بدل تأجيجها. كذلك عند وفاة السلطان مراد الثاني عام 1451م وارتقاء ابنه محمد الفاتح للحكم، ظل علي على ولائه الصلب. بل إن محمد الفاتح ائتمنه على أخطر مهمة في مستهل عهده: القضاء على منافس محتمل على العرش . فقد أوفده السلطان الشاب ليعدم أخاه الصغير الأمير أحمد (المعروف بـ”الصغير”) تحقيقًا لعرف الدولة في منع نزاعات الوراثة .


لقد كان إرسال علي لتنفيذ هذا الأمر الرهيب دليلًا على ثقة السلطان فيه من جهة، وعلى المكانة الراسخة التي تبوأها في البلاط العثماني من جهة أخرى. ففي تلك اللحظة الحساسة، احتاج محمد الفاتح لرجل مجرّب لا تأخذه الرأفة في تطبيق أوامر الدولة. ويُروى في هذا السياق أن السلطان محمد ودّع أخاه الصغير بحرقة، ثم التفت إلى علي بن إفرينيوس وعيناه مليئتان بالدموع والألم، وقال له بصوت متهدج: “أنت أدرى بما يجب فعله… أرحنا وأرح الأمير الصغير من عذاب الصراع على الحكم”. انحنى علي بصمت علامة الطاعة، ونفّذ الأمر على مضض. بتلك اللحظة الحاسمة، حسم علي ولاءه المطلق للدولة على حساب عواطفه – إن كانت راودته – مؤكدًا أنه سيفٌ بيد السلطان يقطع حتى أقرب الروابط إن هددت عرش آل عثمان.


وهكذا يتضح أن علاقة علي بالدولة العثمانية كانت علاقة ولاء متين منذ ولادته وحتى مماته. لم تسجّل المصادر أنه حاد يومًا عن طاعة السلاطين أو أنه مال لمنافس أو تمرّد، بل على العكس ذُكر دوماً كأحد “أركان” الدولة في حدودها الأوروبية. وقد نعته أحد المؤرخين العثمانيين بلقب “شهسوار آل عثمان”، أي فارس آل عثمان المشرّف – في إشارة رمزية إلى إخلاصه ومكانته.


كان البلقان المسرح الأبرز الذي سطّر فيه علي بن إفرينيوس فصول مجده الحربي. ولعل أول وأخطر امتحان له جاء في ثورة ألبانيا عام 1432م. فبعد أن أخضع العثمانيون أجزاءً واسعة من ألبانيا ومناطقها الجبلية، اندلعت انتفاضة شرسة قادها أمراء محليون مثل جيرج أريانيتي وآخرين رافضين للسيطرة العثمانية. أرسل السلطان مراد الثاني جيشًا قوامه نحو 10 آلاف مقاتل بقيادة علي بك لإخماد التمرد . سار علي عبر طريق ڤيا إغناتيا العريقة مخترقًا الممرات الوعرة، ودخل وادي نهر شكومبين في قلب ألبانيا . هناك كانت المفاجأة بانتظاره: نصب الثوار كمينًا محكمًا لقواته في شتاء عام 1432م، فانقضوا من قمم الجبال على الجيش العثماني وألحقوا به هزيمة قاسية . في تلك المعركة، تجرّع علي طعم الهزيمة لأول مرة، وقيل إنه بالكاد نجا بنفسه بعدما قُتل وأُسر الكثير من جنوده.


تصوّر الروايات الشعبية الألبانية مشهد الكمين كالتالي: كان علي بك يتقدّم الطليعة على جواده الأشهب، محاطًا برايات الدولة، حين بدأت الصخور تنهال من أعالي المنحدرات والسّهام تمطر جنوده من حيث لا يدرون. دوّى صوت القائد الألباني أريانيتي في الوادي صائحًا بلغته: “اليوم نطهّر أرضنا من الغزاة!”. اضطر العثمانيون للارتباك والتراجع أمام المفاجأة. يُحكى أن عليًا جُنَّ جنونه من الغضب وهو يرى فرسانه يتساقطون، فنزع خوذته عن رأسه ليظهر وجهه لجنوده وصاح بالعربية والتركية: “اثبتوا… أنا علي بن إفرينيوس أمامكم، فاثبتوا وقاتلوا!”. ورغم شجاعته ومحاولته تنظيم الصفوف، غلبهم عنصر المباغتة ووعورة التضاريس. انسحب علي بقواته المنهكة حاملًا جراح الهزيمة ومرارتها إلى أدنة (أوراهوفا) بانتظار المدد.


لم يترك السلطان مراد رجله المخلص وحيدًا؛ ففي العامين التاليين جهّز جيشًا أكبر بقيادة القائد المخضرم توراهان بك، وانضم إليه علي مجددًا للثأر للهزيمة . شنّ العثمانيون حملة شعواء 1435–1436م تمكنوا خلالها من استعادة السيطرة على الأراضي الألبانية المتمردة . المدن والقلاع التي سقطت بيد الثوّار عادت من جديد إلى سلطة السلطان. اشترك علي بك في هذه الحملة الثانية تحت إمرة توراهان، ويبدو أنه تعلّم من دروس الكمين السابق؛ فتحرّك بحذر عبر الممرات، واعتمد سياسة الأرض المحروقة مع القرى المتمردة لإرهاب الخصوم. وسرعان ما انهارت المقاومة الألبانية المنظمة، خاصة بعد أن حقق علي انتقامه بهزيمة جيرج أريانيتي في معركة لاحقة. وهكذا يُنسب إلى علي بن إفرينيوس فضل كبير في إخماد ثورة ألبانيا (1432–1436) وإعادة تلك الأنحاء إلى الحظيرة العثمانية – ولو مؤقتًا، حتى ينهض لاحقًا بطل ألباني آخر هو إسكندر بك.


بعد نجاحه في ألبانيا، أخذ نفوذ علي بك يمتد إلى ساحات أخرى في البلقان. فنجده يشارك في عدة حملات ضمن أراضي المجر وترانسلفانيا (إقليم أردل) خلال أواخر الثلاثينيات من القرن الخامس عشر. فحوالي عام 1438م، أرسله السلطان مراد على رأس جيش لتأديب إمارة فالاشيا (الأفلاق) شمال نهر الدانوب ولإضعاف شوكة أمراء ترانسلفانيا . عبرت قواته نهر الدانوب إلى أراضي الأمير فلاد دراكول (المشهور بالتاريخ والد دراكولا)، ونشرت الرعب في تلك الأصقاع انتقامًا لتحالف بعض حكامها مع ملك المجر. وتوغلت غاراته حتى سفوح جبال الكاربات في ترانسلفانيا، فنهبت بلداتها وأحرقت الحقول، قاصدةً إنهاك مملكة المجر واستنزافها قبل أن تشتد قوة القائد المجري الصاعد يوحنا هونيادي. وتؤكد الروايات أن حملة 1438 هذه أحرزت أهدافها في إنهاك الدفاعات الحدودية للمجر ، مما سهّل على العثمانيين لاحقًا اقتحام مدينة سمندرة (سميت أيضًا بلغراد الصغرى) وغيرها.


ومن طرائف تلك الحقبة أن بعض الأساطير تناقلت حكاية مفادها أن يوحنا هونيادي نفسه – الذي سيصبح بعد سنوات العدو اللدود للعثمانيين – كان في شبابه فارسًا تابعًا لمعسكر علي بك إفرينيوس. يروي المؤرخ البيزنطي لاونيكوس خالكوكنديلِس أن هونيادي “كان خادمًا لدى علي بك بن إفرينيوس” قبل أن يهرب ويلجأ إلى بلاط ملك المجر . وتزعم حكاية أخرى أنه أثناء خدمة هونيادي لعلي، طارد ذئبًا مفترسًا هاجم مواشي أحد أسياد الصرب ونال بذلك استحسان سيده آنذاك . وعلى الرغم من أن هذه الروايات تندرج في إطار الأساطير الشعبية أو الحرب الدعائية – حيث ربما أشاعها العثمانيون للتقليل من شأن خصمهم بتصويره خادمًا لجندي عثماني – إلا أنها تدل على مدى انتشار صيت علي بك في مخيلة الشعوب، حتى أقحمته في قصص أعدائه.


شهد عام 1440م واحدة من أهم محطات مسيرة علي بن إفرينيوس العسكرية، وهي حصار بلغراد الفاشل. كانت بلغراد آنذاك قلعة صامدة على حدود المجر وصربيا، وتعتبر مفتاح بوابة أوروبا الوسطى. حشد السلطان مراد الثاني جيشًا جرّارًا وسار به نحو بلغراد في ربيع 1440م، وكان علي بك إلى جانبه قائدًا للفرسان ورجال الحدود . ضرب العثمانيون حصارًا مطبقًا على المدينة استمر ستة أو سبعة أشهر . ويذكر أحد المؤرخين أن الجيش العثماني بقيادة مراد وعلي “بنى سورًا حول المدينة، واستخدمه لقذف الحجارة على تحصيناتها” – في إشارة إلى إنشاء خطوط حصار وخنادق وسواتر تُقرِّب المدفعية والمجانيق من الأسوار.


خلال ذلك الحصار الطويل، أظهر علي شجاعة منقطعة النظير وطموحًا للمجد الحربي. يروي قسطنطين ميهايلوفيتش – وهو جندي صربي وقع في الأسر وكتب لاحقًا مذكرات عن الحرب – أن السلطان مراد وعد بمنح لقب “بك” وإقطاعية ضخمة لأول جندي يرفع الراية العثمانية على أسوار بلغراد . ورغم أن علي بك إفرينيوس كان يحمل لقب “بك” أصلاً بحكم منصبه، إلا أنه – وفق رواية ميهايلوفيتش – قاد بنفسه هجومًا جرئيًا على الأسوار سعيًا لزيادة شهرته ومكانته . تخيّله وقد امتشق حسامه واعتلى برجا خشبيًا متحركًا قرب الأسوار، محاطًا بنخبة من جنوده، ثم صرخ فيهم: “اتبعوني إلى قلب القلعة! المجد لمن يسبق!”. اندفع علي ورجاله في محاولة اقتحام جسور المدينة، ودارت معركة طاحنة على الأسوار. وربما رفع علي ببسالة الراية العثمانية على أحد الأبراج للحظات خاطفة، قبل أن تصيبه شظية أو سهم أجبره على التراجع. لقد قاتل كما لو أن النصر معقود باسمه شخصيًا، لكن دفاع البلغار والمجريين المستميت أفسد حلمه وحلم السلطان.


انتهى الحصار بالفشل الذريع؛ صدّت بلغراد الهجوم بعد خسائر فادحة للطرفين، واضطر العثمانيون إلى فك الحصار والانسحاب مع بداية شتاء 1440م . كانت تلك خيبة أمل كبرى لمراد الثاني وعلي معًا. وربما جثا علي على ركبتيه فوق تلة تطل على المدينة وهو يراقب رايات الجيش تتراجع، وتمتم بحسرة: “ليت أبي إفرينيوس كان هنا… لما ارتضى أن ننكفئ هكذا.” لكن الواقع فرض نفسه، وعاد علي إلى أدرنة بلا نصرٍ هذه المرة. مع ذلك، ورغم فشل الحصار، رسّخ علي سمعته كمقاتل جسور لا يتردد في التضحية حتى وهو ذو منصب رفيع – وهذه سمة قادة الغزو العثماني الأوائل الذين شاركوا جنودهم المخاطر ولم يكتفوا بإدارة المعارك من الخلف.


جدير بالذكر أن حصار بلغراد 1440 هذا كان تمهيدًا لمحاولات أخرى تلت بعد سنوات. ورغم أن علي نفسه ربما لم يشارك في حصار بلغراد الناجح عام 1456 (الذي كان بقيادة محمد الفاتح وانتهى أيضًا بالفشل أمام هونيادي)، إلا أن تجربته عام 1440 أسهمت في تكوين التكتيكات العثمانية وتحذيرهم من صلابة تلك القلعة المنيعة. ولعل السلطان محمد الفاتح استفاد من دروس سابقيه – علي ومراد – حين خطط لحملاته اللاحقة.


إلى جانب ما سبق، شارك علي بن إفرينيوس في سلسلة من الحملات والوقائع الأقل شهرة لكنها مهمة في سياق التوسع العثماني. فقد كان حاضرًا عند فتح مدينة ذاغورمي (داغنوم) عام 1430م شمال ألبانيا، حين استسلمت تلك القلعة التي كان يحكمها الأمير كوجه زاهارية للقوات العثمانية بقيادة إسحاق بك . أُلحق حصن ذاغورمي بالأراضي الواقعة تحت سيطرة علي بك لتأمين التخوم الشمالية لسنجقه الألباني . كما يُحتمل أنه اضطلع بأدوار في فتح يوأنّينة (يانيّا في اليونان حاليًا) سنة 1431م أو دعم القوات التي فتحته، إذ كانت تلك المنطقة أيضًا ضمن مجال تحرك العثمانيين نحو الغرب، وإن لم تذكر المصادر اسمه صراحةً في ذلك الفتح.


بحلول أواخر أربعينيات القرن الخامس عشر، ومع تقاعد العديد من قادة الجيل القديم أو وفاتهم، كان علي بن إفرينيوس من القلة الذين عاصروا عهد أربعة سلاطين (بايزيد الأول كطفل، ومحمد الأول، ومراد الثاني، ثم محمد الفاتح) واستمروا في ميادين القتال. لكنهُ في تلك السنوات الأخيرة لم يعد يتصدر الخطوط الأولى كما فعل في شبابه، إذ برز قادة جدد أكثر فتوة مثل خدةvendigar باشا وزغانوس باشا وغيرهم في عهد الفاتح. وربما أوكل السلطان محمد إليه مهام الحماية وتأمين الطرق الخلفية بينما اندفع هو لفتح القسطنطينية. بعض الروايات غير الموثقة تشير إلى أن علي شارك في حملة محمد الفاتح ضد إمارة قرمان الداخلية عام 1451م، عندما خرج السلطان لإخضاع والي قرمان المتمرد، وقد ترك عليًا في العاصمة لضبط الأمن . وفي تلك الفترة نُفّذت عملية إعدام الأمير الصغير أحمد كما أسلفنا. وهكذا يتبين أن علي لعب أدوارًا متعددة الجوانب: فارس حدود، حاكم ولاية، ومبعوث خاص، وحارس للعرش عند الحاجة.


بعد مسيرة حافلة استمرت عقودًا في خدمة آل عثمان، بلغ علي بن إفرينيوس خريف عمره وقد شهد تحولات جسامًا في دولته. فمع اعتلاء السلطان الشاب محمد الفاتح العرش وتوطيد حكمه ابتداءً من 1451م، بدأت الدولة مرحلة جديدة من الفتوحات المبهرة – كان أبرزها بالطبع فتح القسطنطينية عام 1453. لا تذكر المصادر مشاركة علي بك إفرينيوس في حصار القسطنطينية بشكل واضح؛ ويُرجّح أن سنّه وتراجع صحته وربما وفاته قبل ذلك حالت دون ظهوره في تلك الملحمة التاريخية التي شارك فيها معظم قادة ذلك العصر. فمن المحتمل أن عليًا توفي في أوائل عهد محمد الفاتح، ربما قرابة العام 1454م أو بعده بقليل، إذ لا تظهر له أدوار معلومة بعد 1451م سوى تنفيذ وصيّة السلطان بخصوص أخيه.


أما عن نهاية حياته بالضبط، فتشوبها بعض الضبابية. لا تذكر المصادر العثمانية أنه قُتل في معركة أو أُعدم في فتنة، ما يرجّح أنه مات موتًا طبيعيًا بعد أن بلغ سنًا متقدمة (ربما في الستينات من عمره، إذ قد يكون مولودًا نحو أواخر القرن الرابع عشر). لقد دفن علي بك إفرينيوس في باحة مسجد وضريح والده الغازي إفرينيوس في مدينة يانيتسا (ينيجة‌ڤردار) في مقدونيا اليونانية اليوم . ولا يزال قبره هناك شاهدًا على عصره؛ فمقبرة آل إفرينيوس في ينيجة كانت بمثابة مزار تاريخي يخلّد ذكرى تلك الأسرة التي لعبت دورًا مفصليًا على الحدود العثمانية. في قلب مدينة يانيتسا اليوم ينتصب مبنى الضريح الأبيض الذي يضم رفات إفرينيوس وأبنائه، تتوسطه قبة صغيرة وتحيط به ساحة هادئة . هذا الضريح الذي شُيّد عام 1417م لدفن إفرينيوس الأب أصبح مرقدًا لعلي أيضًا بعد عقود من وفاة والده.


ونجد في بعض كتب التاريخ العثمانية إشارات عابرة إليه بوصفه واحدًا من أبناء إفرينيوس السبعة الذين “واصلوا جهاد أبيهم” . كما تذكره المصادر البيزنطية باسمه (Ἀλί) باعتباره حاكمًا عثمانيًا على بعض المناطق في العقد 1430م . صحيحٌ أن اسمه لم يلمع في سجلّ من تولوا مناصب الصدارة الكبرى في إسطنبول (كالصدر الأعظم مثلًا)، ولم يُخلّد كأبطال ملحمة منفردة (إذ طغت شهرة الفاتح وهونيادي وإسكندر بك على حقبته)، إلا أن المؤرخ المنصف لا يغفل ذكر علي بن إفرينيوس عند الحديث عن الفتوحات الأولى في البلقان. يكفي أنه كان السيف الذي قمع ثورة ألبانيا الأولى ، والرمح الذي ثبّت راية العثمانيين في وجه المجر لسنوات، واليد التي نفّذت إرادة السلطان في أصعب القرارات. إنها أدوار ربما لم يفرد لها الشعراء ديوانًا، لكنها كانت لبنات أساسية في صرح الإمبراطورية العثمانية الآخذة بالبناء آنذاك.


وهكذا أسدل الستار على حياة علي بن إفرينيوس بهدوء، ليرقد جسده إلى جوار أبيه في أرضٍ كان كلاهما يومًا ما غريبًا عنها ثم صارت وطنهما الإسلامي الجديد. أما اسمه فقد بقي حيًا في المصادر والذاكرة: ترددت أخباره في سجلات العثمانيين، وكتب البيزنطيون عنه، وحتى في حكايات المجريين والصرب ظهر كشخصية – سواء كسيّد أو كنكتة تاريخية – مما يعني أن بصمته امتدت عبر ثقافات عدة . إن إرثه الحقيقي هو أنه مثّل جيلًا انتقل بالدولة العثمانية من مرحلة النشأة المحلية إلى مصاف القوة الإقليمية؛ جيل حمل راية الغزو في أوروبا وربّى من بعده جيلًا أشد بأسًا قاده محمد الفاتح نحو إنشاء إمبراطورية عظيمة.


مؤخرًا عاد اسم علي بن إفرينيوس للأضواء عبر تجسيده في مسلسل تاريخي درامي تناول فترة محمد الفاتح. في هذا المسلسل التلفزيوني – الذي قدم أحداث فتح القسطنطينية وما حولها – ظهر علي بن إفرينيوس كشخصية محورية ضمن حاشية السلطان محمد الثاني. قام الممثل بتجسيد علي كشيخ وقور قوي البنية، ذا لحية بيضاء وهيبة طاغية، يصاحبه دوماً لقب “سفير الدولة العثمانية” في الحوارات. وبالفعل، يصوّره المسلسل كأنه المبعوث الخاص للسلطان ومحل ثقته لإتمام المهام الصعبة. على سبيل المثال، نراه يقوم بدور الوسيط في مفاوضات حساسة، ويمثّل الدولة أمام أعدائها بلهجة صارمة واثقة. كما تناول المسلسل مشهد إعدام الأمير الصغير أحمد بشكل درامي مؤثر، حيث يُظهر علي بك مترددًا لوهلة أمام دموع الطفل ثم حازمًا في تنفيذ أمر السلطان – مشهد يتفق مع الروايات التاريخية في جوهره .


رغم أن الخطوط العامة لشخصية علي في المسلسل تستند إلى حقيقته التاريخية – كولائه المطلق للسلطان وشجاعته ونفوذه على الحدود – إلا أن الدراما أضافت الكثير من التفاصيل التي قد لا نجد لها ذكرًا في المصادر. فمثلًا، أظهره كأنه حاكم ذو نفوذ في العاصمة يتدخل في سياسة القصر، ونسج له علاقات شخصية مع شخصيات أخرى (مثل صداقات أو عداوات داخلية) ربما لغرض الحبكة الدرامية. إحدى الحبكات التخيلية كانت صراعه الخفي مع قائد للإنكشارية في المسلسل، وتصوير مواجهة بين فرسانه الأقنجيّة وجنود الإنكشارية في مشهد متخيَّل لأزمة داخلية – وهو أمر لا دليل تاريخي مباشر عليه، لكنه يعكس صراع الأجيال بين حرس قديم يمثله علي وحرس جديد يمثله قادة جيش محمد الفاتح. كذلك أضفت الحبكة التليفزيونية على علي بُعدًا عاطفيًا أكثر دفئًا في علاقته بالسلطان الشاب محمد، حتى كأنه بمقام المستشار الحكيم أو الأب الروحي له، بينما التاريخ يقدّم علاقتهما بشكل رسمي عسكري أكثر.


إن مدى الدقة التاريخية في تجسيد علي بن إفرينيوس بالمسلسل يتفاوت. فبلا شك أصاب العمل في إظهار ولائه وشجاعته ومشاركته في حدث إعدام الأمير الصغير، وهذا توثقه المصادر . كما وُفِّق المسلسل في نقل هيبته وشخصيته القيادية التي تسبقها سمعتها . لكن بالمقابل، استحدث كتّاب الدراما مواقف وحوارات تخدم سياق الإثارة والتشويق، كتخيله يخاطب الإمبراطور البيزنطي في رسالة إنذار أو يدخل في مبارزة كلامية مع القائد المجري هونيادي – وهي مشاهد افتراضية. التاريخ الفعلي لعلي لم يحفظ لنا حواراته أو تفاصيل شخصيته الدقيقة، فملأها المسلسل بخيالٍ محسوب ليناسب الجمهور المعاصر.


يمكن القول إن شخصية علي بن إفرينيوس في المسلسل جاءت مستوحاة من التاريخ لكنها مزدانة بلمسات درامية. لم يشط المسلسل كثيرًا في الجوهر، إلا أنه كبّر حجم دور علي بعض الشيء ليمنحه حضورًا أقوى بجانب البطل (السلطان محمد الفاتح). وهذا نهج مفهوم فنيًا، إذ يحتاج العمل الدرامي إلى شخصيات مساندة بارزة. مثلاً، ربما كان علي قد توفي قرابة 1454م تاريخيًا، لكن المسلسل قد يكون أبقاه حيًا حتى 1453م ليشارك في مشاهد فتح القسطنطينية. وإن صحّ ذلك، فيُعد تجاوزًا دراميًا مبررًا لسد فراغ الشخصية الحكيمة الكبيرة حول السلطان في تلك الأحداث، حيث أن المصادر الحقيقية تذكر أن علي لم يكن حاضرًا حينها. وكذلك ربما منحه المسلسل دور “السفير” لأن الشخصية التاريخية الأخرى التي أدت دور المفاوض فعليًا (مثل الصدر الأعظم خليل باشا) لم يرد إبرازه دراميًا بنفس القدر، فكان علي بديلًا مناسبًا بحكم سنه وخبرته.


وخلاصة الأمر، أن التجسيد الدرامي لعلي بن إفرينيوس يحترم الخطوط العريضة لتاريخه لكنه يتوسع في التفاصيل الشخصية والحوارات لضرورات فنية. يبقى علي في كل الأحوال شخصية جديرة بالاهتمام: سواء قرأنا عنها في كتب التاريخ أو شاهدناها على شاشة التلفاز، فهي تمثّل حلقة وصل بين عصرين وشخصية تحمل رمزية الولاء والتضحية على مذبح بناء الإمبراطورية العثمانية. وقد نجح المسلسل في إثارة فضول الكثيرين حول هذه الشخصية، ما قادهم – مثلنا – إلى الغوص في بطون المصادر للتفريق بين الحقيقة والخيال، وبين ما سُجّل في حوليات القرن الخامس عشر وما ابتكره كُتّاب القرن الحادي والعشرين.


ختاما تبقى سيرة علي بن إفرينيوس مثالًا حيًا على كيف يكتب الأفراد تاريخ الامبراطوريات من خلال ولائهم وبطولاتهم. هو رجل لم يتصدّر كتب التاريخ كأعظم الفاتحين، لكنه كان ترسًا مهمًا في آلة الفتح العثمانية. بين ولادته كابن لأمير مهزوم، ونهايته كقائد مظفّر مخضرم، تمتد قصة جديرة بأن تُروى – وقد حاولنا هنا أن نرويها بصدق وأمانة وبأسلوب مشوق، مستلهمين عبق تلك الحقبة المضطربة التي صنع أمجادها أمثال علي بن إفرينيوس.


المصادر والمراجع: استندت هذه السردية إلى جملة من المصادر التاريخية. فمن الجانب العثماني، تذكرChronicles مبكرة أسرة إفرينيوس ودورهم في الفتوحات؛ وأشار المؤرخ عاشق باشازاده وأتباعه إلى غزوات إفرينيوس الأب وأبنائه كجزء من تاريخ الحروب العثمانية البيزنطية . أما البيزنطيون، فأبرز من أرّخ لعلي هو لاونيكوس خالكوكنديلس الذي سرد وقائع حملاته في ألبانيا والمجر وأسهب في بعض القصص المتعلقة به . كما سجّل المؤرخون الإغريق اسمه “Aliēs” في سردهم لأحداث تلك الحقبة . ومن الجانب الأوروبي اللاتيني والسلافي، قدمت Chronicles صربية ومجرية إشارات إليه، سواء في معرض الحديث عن الثورات الألبانية أو حروب المجر الدفاعية – فنجد قسطنطين ميهايلوفيتش يروي تفاصيل مشاركته في حصار بلغراد ، وترد قصصه في التراث الشعبي المجري كما أسلفنا. وإضافة إلى ذلك، اعتمدنا على دراسات حديثة جمعت هذه المعلومات وحققتها، مثل أعمال المؤرخين المحدثين (بابنغر وهالسي) التي تناولت عهد مراد الثاني ومحمد الفاتح ، إلى جانب الموسوعات التاريخية وويكيبيديا باللغات المختلفة التي لخصت مشواره. كل معلومة رئيسية دعّمناها بتوثيقها بين قوسين في متن النص على هيئة مرجع للمطلع الكريم.

تعليقات